الاخلاق غاية أم وسيلة

بقلم: سيادة المطران مار أميل شمعون نونا

في ظل التغيرات الهائلة التي شهدها ويشهدها العالم في العقود الأخيرة من التطورات والقفزات العلمية والتكنلوجية، تمّ وضع أبعاد الحياة الإنسانية تحت خانة إعادة النظر والتفكير. فالنظام الحياتي الذي يعيشه الإنسان يُلزِمُه بأن يكون واعياً ومدركاً – ولو بشكل عام جداً – لكل ما له صلة بطريقة عيشه وتحقيق حياته على الأرض.

في مجتمعنا المسيحي في بلدان المهجر بدأ النظام العالمي الحياتي الجديد يتغلغل ويأخذ له مكان في فكر وطريقة عيش إنساننا وعوائلنا، وهذا ما أدى إلى تحريك الكثير من الأشياء التي كانت إلى وقت قصير من الثوابت التي لا تمس.

موضوع الأخلاق يأخذ حيزاً كبيراً في تفكير إنساننا وجماعاتنا ومجتمعنا بشكل عام، فالذي كان مُسلَّماً به وكأنه شيء بديهي يطبّق فقط في طرق العيش، أصبح اليوم تحت النقد الكبير، لا بل هناك من الأشياء ما تم تركها ولا يوجد التزام بها أو لا يوجد من يؤمن بأهميتها. ما نقصده بالأشياء هو السلوكيات والنظرة إلى الكثير مما نسميه (العادات) والتي هي أساليب التعامل مع الآخرين.

لا ينكر أحد أن هناك هبوطاً في الأخلاق بشكل عام، أي تغيّر في طريقة تعامل الناس مع بعضهم ومع ما يؤمنون به ومع أنفسهم أيضاً، لكن بما اننا داخلين في هذا التغير والذي هو في استمرارية نتساءل عن مدى أهمية هذا التغير: هل هو شيء ايجابي أم سلبي؟ هل يصبّ في مصلحة الفرد أو الجماعة أم لا؟ هل علينا أن نؤيد التغير في الأخلاق أم ندافع عن أخلاق “أيام زمان”؟

هناك بالتأكيد تيارات عديدة في مجتمعنا بخصوص موضوع الأخلاق، ويمكن أن نقول أنه الموضوع الأكثر نقاشاً على صعيد الأفراد أو أيضا الجماعات والمجتمعات. بالنسبة لنا كمؤمنين النقطة الأساسية ليست في تغير السلوكيات والعادات في الأخلاق بل بكيفية النظر إلى الأخلاق عموماً. ما يعاني منه إنساننا اليوم هو عدم تمكنه من تحديد طبيعة الأخلاق، أي كيف يرى الأخلاق في الحياة، هل يراها كهدف يجب الوصول إليه أم وسيلة لبلوغ هدف آخر.

التعاملات الحالية والنقاشات المستديمة حول الأخلاق تركّز أو تبين لنا أن الأخلاق هي هدف “على الإنسان أن يصل إلى مستوى راق من الأخلاق”. كلما ارتقى الإنسان بأخلاقه كلما ارتفع مستواه بالمجتمع والحياة. يجب إذن حسب هذه الاتجاهات – إن كانت محافظة تقليدية أم ذات نزعة حديثة – التركيز كثيراً على الأخلاق وتوضيحها والعمل بها.

فيما يخصنا، في الفكر الإيماني المسيحي، الأخلاق هي وسيلة وليست غاية: الإنسان لا يسلك جيداً لأن ذلك هو المهم، لا يتعامل بشكل جيد مع نفسه والآخرين لأن ذلك هو وحده المهم، بل الأخلاق هي واسطة للوصول إلى إنسانية سليمة معافاة من الشوائب. هذه الوسيلة – الاخلاق – تتجه نحو الغاية التي هي صورة الإنسان الحقيقية حسب إرادة وفكر الله، الأخلاق تُحقّق الصورة لكن القيمة الحقيقية هي في الصورة ذاتها.

إذا وضعنا الأخلاق كغاية فإننا سوف نضحي في أحيان كثيرة بالصورة الإنسانية من اجل مسلك معين، مثال على ذلك: من اجل سمعة ومكانة ومستوى عائلة معينة او مجتمع معين، يجب طرد فرد ما كذب او خالف إحدى القواعد الأخلاقية.

الإنسان، في تفكيرنا الإيماني، هو القيمة الأهم والأعلى في الحياة: كل السلوكيات والطرق الأخلاقية يجب ان تكون لخدمته ولا تكون عائقاً أمام نموه ونضوجه. ليس علينا ان نحارب من اجل أخلاق رفيعة فقط، أي نقف هنا، بل من اجل أخلاق تخدم الإنسان وتعطيه حقوقه الفردية والجماعية وتضعه في خدمة الحياة: حياته الشخصية وحياته داخل الجماعة والمجتمع المنتمي اليه.

لهذا علينا ان نعيد التفكير ونصوغ اخلاقنا على ضوء قيمة الإنسان كصورة الله في العالم.

2/2/2017

About St Thomas

x

Check Also

محاضرة سيادة المطران حول أنجيل مرقس

في سياق سلسة المحاضرات الدراسية حول انجيل مرقس، قدّم سيادة المطران اميل نونا محاضرة جديدة ...