الصدفة والتدبير

الصدفة والتدبير

دنخا عبدالاحد

عندما شاركت ساندريلا الحفل مع الامير، لربما لم تتوقع ان تفوز بحبه! أو لربما لعبت الصدفة دورها من خلال حذائها، أو لريما كان ذلك مكتوباً لها من قبل القدر؟ ولربما لم يكن يعلم “جان فالجان” في قصة “البؤساء” أنه سيكون يوماً عمدة باريس؟ لربما يكون للصدفة دور، أو كان ذلك مكتوباً له من قبل القدر (فيكتور هيجو).

اننا كثيرا ما نقع في لغط الحياة ونلصق احداثها بتفاسير، نحاول أن نُقنع انفسنا بها بين كفي الحياة، الاول نسميه القدر.. والثاني نسميه الصدفة؛ بين هذا وذاك يتماطل فكرنا في تقديم اي تفسير ممنطق أخر.

حادث كان أم حدث، مفرحٍ كان أم حزين، وفي اي وقت وزمان، نقع في ثنائية تتلاقى مع فكرنا البشري.

أولاً: نحن اصحاب معتقد ما توارثناه، يقول: “ان القدير أراد ذلك” والغريب نُقحم القدير في ادق تفاصيل حياتنا، فهو اراد من فلان ان يتواجد في مكان وزمان معين، ليلقى حتفه. أو لربما اراد من الشخص الثاني ان يسحب بطاقة يانصيب مُربحة؟ غريب هذا القدير يقتل شخص ويُفرِح شخص أخر!

ثانياً: ان كنّا أناس أصحاب ثقافة حديثة ومعتقدات جديدة، لا نحتاج الى القدير، فنلبث بالحديث عن الصُدفة؟ وكيف ان الشخص الذي كان متواجداً في الزمان والمكان الخطأ، لقى حتفه، واما الشخص الاخر لعبت الصدفة الدور الكبير في حياته ليربح اليانصيب! ونتماطل أكثر لنقول ان الصدفة هي اساس الحياة وشرارتها الاولى؛ ليست سوى صدفة حدثت في لحظة معينة، ووجودنا اليوم ليس سوى صدفة نعيشها.

بعض الاسئلة: هل وجودنا صدفة؟ اذا كان صدفة؛ كيف تفسر التناسب في الطبيعة بمبدأ النسبة الصحيحة التي تساعدنا على الاستمرار واستمرار كل انواع الحياة؟ لاحظ لو اختفى القمر؟  تنتهي الحياة ببساطة.

لاحظ لو لم تكن هناك شجر على تلة بالقرب من النهر، لماتت الاسماك من شدة السيول.

لاحظ اذا زادت نسبة الاوكسجين او نَقُصَت، لأنتهت الحياة.

 لاحظ قطر الندى على ورق الشجرة كيف تساعد في عملية التماثل الغذائي للنباتات؛ وكذلك تحافظ على استمرارية الحياة، لبعض الحشرات.

 لاحظ اذا ما ارتفعت درجات الحرارة بمستوى قليل فوق المستوى الطبيعي، هل كنّا نعيش الان يا ترى؟ لو تغيرت مسافة الارض بالنسبة للشمس؟ ما الذي يحصل؟ لو لم تكن هناك جاذبية بالنسبة الصحيحة…تخيل يا صديقي؟ هل برأيك هذا صدفة؟ لا  أعلم …

ثالثا: لنفكر ملياً يا عزيزي، لماذا نقبل كل انواع التفاسير للوجود من الشرارة الاولى (Big bang) او الى التطور (Darwin)، ولا نقبل مبدأ التدبير (Economic) الالهي للخلقة، وهذا التدبير يعني استمرارية عملية الخلق كل لحظة نعيشها.

يا صديقي لا يعني هذا المبدأ اننا مجرد دمى نعمل كما يُملى علينا؛ وانما بالعكس؛ فمبدأ التدبير يعني اعطاء الدفعة الاساسية في نظام الحياة على الاستمرار، مع وجود حرية كاملة في اتخاذ القرارات لكل فردٍ موجود، وكذلك حرية كاملة لكل الخليقة على اساس طبيعتها.

ويقول البابا بندكتس السادس عشر في هذا الصدد: ” فنحن منذ الأزل موجودون، إذا، في فكر الله، في تدبير عظيم، حفظه الله في ذاته ثم قرر تحقيقه والكشف عنه في “ملء الزمان” (تعليم البابا 6 ديسمبر 2012 سنة الايمان)

لنرفع اليوم افكارنا ونوجهها اكثر نحو الخالق، ولنتأمل في الطبيعة والوجود، الذي يحيط بنا، وكيف ان التواصل بين الطبيعة بنظام خلاب يحمل سراً يعطي الطبيعة الاستمرار بنفحة الحياة، قد لا نفهم السر يوماً، ولكننا نفهم ان سببها هو عظيمٌ وخلاق.

يا صديقي، لنبتعد قليلاً عن التفاسير العقلية الخالصة للأحداث من حولنا، وما نعيشه بشكل يومي، وكذلك لنبتعد عن تفاسير لا تنجذب الى العقل ابداً نفسر كل شيء بأمور غيبية ونعطيها مساحة للأيمان الغريب!

لنقرأ الاحداث يا صديقي، بشكل عقلاني؛ ولكن أيضا كياني، فعند التفسير علينا ان نأخذ بعين الاعتبار كل كياننا، نحن “انسان”، والانسان ليس فقط عقل؛ وانما الانسان، هو، كيان كامل بعقله، قلبه، تاريخه، مجتمعه وخبراته، لذلك علينا ان ننطلق دائما من انسانيتنا؛ حتى نستطيع ان نفهم معنى التدبير الالهي في واقعنا وحياتنا، وهذا ما تسميه الكنيسة اليوم ب”تدبير الوحي”.

About St Thomas

x

Check Also

قراءة في كتاب “السُبل الى الله” لكوستي بنّدلي

قراءة في كتاب “السُبل الى الله” لكوستي بنّدلي          بقلم: دنخا عبدالاحد حقيقة الله      حقيقة ...