تأمُّل في موعظة الأحد الثاني من زمن الصيف

أين نحنُ من ذواتنا اليوم وأين هو موطن قلوبِنا؟

حالُنا اليوم كحالِ من ضاعَ وسط دروبٍ مجهولة،
دروبٍ تشتدُّ فيها نداءات العالم بقوة فتجذبنا، وتشتت فِكرنا وتوَجُّهاتنا و مسارنا.
نداءاتٌ تُحاكي فينا رغباتنا المدفونة والغير مصقولة،
تُحاكي فينا طموحاتنا الغير واضحة،
تُحاكي فينا مشاعرنا الغير ناضجة،
فتجتذبنا بسلاسةٍ تجعلنا نُصدّق انها الطريق وأنها الهدف فنسعى خلفها مرتحلون بعيداً،
مهاجرونَ حتى عن ( بيت الآب)، حضن الآب وحبّه!

نمضي في سعيٍ نحو الإستقلال بعيداً عن كنفِ الرحمة والحب والحياة، تماماً كذاك (الأبن الضال-الأصغر) الذي هبَّ بعيداً عن كَنفِ أبيهِ ليمضي بعيداً دونما رويةٍ أو تريّث، بل بإندفاعٍ متأجج جعلهُ عاجِزاً عن الإحساس بإنتمائهِ لذاك الآب ومسكنهُ،
عاجزاً حتى عن الإنتباه لذاك القلب الذي يتألم، والروح التي تُعاني بسبب رحيله، فمضى مستجيباً لنداءات العالم حتى تَشتّتَ، وضاعَ، و ضعُفَ، وتحطمت كرامته وإنسانيته!

هكذا نحنُ أيضاً، نمضي في ضياعٍ يُشتتُ خُطانا،
متناسينَ تماماً أننا لسنا وحدنا المشتّتون بل نحنُ نخلقُ تشتّتاً وألماً وتعباً لذاك الذي يُحبنا وينتظرنا وعلى قارعة الطريق يترقبُ عودتنا!

وقد تجرفنا عواصف الضياع وأمواجها نحو غُربةٍ أقسى وأكثرُ ألماً، عندما نحيا غرباء وسط مُحبينا،
عندما يغلبنا الفتور السلبي الذي يشلُّنا ويُعيق تقدمنا،
ذاك الفتور الذي يحوِّل أعماقنا الى غاباتٍ موحِشة لشدّة ما فيها من ظلامٍ ووحدة وحتى قسوة وظلم، فنرفض كل حب ورحمة في حياتنا وفي حياة الآخرين، على مثال (الأبن الضال-الأكبر)، ذاك الذي يرفض حتى توبة اخيهِ،
ويرفض فرح أبيه،
ويرفض كذلك حقيقة الرحمة والحب التي تحتضن وتقبل وتبتهج بكل من يرجع عن ضياعه!

في ضياعنا، نحنُ بالحقيقة نُترجم حالة ال ( لا إنتماء) التي فينا، وذاك ألمٌ شديد الوجع في قلب الله، وقلب الكنيسة، وفي قلب العائلة والمجتمع!
ذاك الضياع الذي يبتدأ من عمق أعماقنا وقلوبنا المُغترِبة عن ذاتها وعن رحمة الآب!

أن لا يكون لنا أنتماء، يعني أننا قلبٌ بلا وطن!
قلبٌ مشتّتٌ ضائع الخُطى يمضي بذاتهِ نحو آلامٍ وأوجاعٍ تُضعفهُ، وتشوِّه حريته، وتكسر كرامته وأنسانيته فيغدو ” وحيداً”

أن لا يكون لنا إنتماء، يعني أننا لا ” بيت ” لنا!
يعني أننا لا ” جذور” لنا، فيسهُل قلعنا من أرضِنا فتغلبنا اليبوسة،
يعني أننا، لا مُستَقر لنا ولا اساس،
يعني أننا لا إسمَ لنا ولا كُنية ولا صِفه،
يعني أننا لا هدف لنا ولا توجُّه ولا حتى رجاء!

اليوم، وفي كل زمان، هي حقيقة نحياها وإن كُنَّا غير مدركين لها، حقيقةً أننا لسنا ولن نكون ابداً قلبٌ بلا وطن، فهناك وطنٌ يحتضننا بضعفنا وخطايانا وعجزنا،
وطنٌ هو لنا الحياة وهو لنا الكرامة والرحمة،
وطنٌ يسمو بنا نحو إنسانية حقيقة تتجلى فيها صورة الله،
وطنٌ يُعطيناً إسماً، وكُنية، وعائلة وحياة
وطنٌ لا يهدأ فيه الآب، ولا يتعب، ولا يمل أو يتخاذل أو يتراجع، بل هو الى المنتهى واقفٌ عند الطريق ينتظر أن يلمح طيفنا،
يترقب رؤيتنا بملء الحب والرحمة والشوق!

مع الأبن الضال، لنمضي اليوم في مسيرة، ليس نحو البعيد
بل مسيرة ” عودة” نحو الآب ورحمته،
لنتذكر دوماً،ونؤمن: أننا أبناءٌ حقيقيون،
أبناءٌ ليسو مدعوون فقط ( للإنتماء) بل للإيمان بحقيقة أنهم وَرَثه و أبناء محبوبون،
أبناءٌ بيتهم هو بيتُ الآب،
و كرامتهم تتحقق في كَنَف الآب،
و إنسانيتهم تكتمل مع قداسة الآب.

تأمل في موعظة الأحد الثاني من زمن الصيف: الاب هديل البابو

٣٠/٧/٢٠١٧

بقلم: وسن ستو

About wassan sitto

x

Check Also

Spirituality is….

Spirituality is love!! The deeper you experience love, the warmer your depths will become. As ...