دعوة للغضب – توني شمعون

دعوة للغضب – توني شمعون

قد يكون عنوان المقال غريب بعض الشئ، فنحن نعيش في عالم يملئهُ الغضب و ينتشر في كل مكان الشر و الدم و القتل، فلماذا هذه الدعوة الغريبة للغضب. قبل الغوص في أعماق المعنى الحقيقي للغضب، و ما أسبابه و نوعياته، يتحتم علينا معرفة أن الغضب هو من صفات شخصية الإنسان الأساسية، و ان اختلفت أنواعه و تعددت أسبابه. فلا بد لأي إنسان أن يشعر بموجة عارمة من الغضب في اي مرحلة من مراحل الحياة، وما أكثرها في فترات المراهقة أو يفعان الشباب. و ما أكثر أسباب الغضب في وقتنا الحالي، قد يكون السبب هو البحث عن وضيفة، أو البحث عن الحب، أو فقدان ذاك الحب، أو الغضب لعدم المقدرة على اقتناء الأشياء أو الفشل بالمجال الدراسي، أو خلافات عائلية أو مشاكل مع الأصدقاء أو قد تكون نشرة الأخبار اليومية و ما يجري من دمار وخراب في شتى أرجاء العالم يملئ الإنسان بالغضب،:عدم الرضى على النفس يؤدي للغضب، كزيادة في الوزن، أو صعوبة في فقدان الوزن أو صعوبة في التأقلم في العمل، وصعوبة في التعبير عن الأفكار، أو عدم القدرة على إيجاد من يفهم أفكارك. فأسباب الغضب هي داخلية نابعة من شعور داخلي وتوجه الغضب نحو الذات و خارجية تأتي من محيطنا الاجتماعي وتوجه الغضب نحو الآخر. وعليه، تختلف نتيجة الغضب كأختلاف أسبابه، واختلاف أنواع الغضب يؤثر على النتيجة التي تصدر عن الغضب. فالغضب أنواع، كالغضب السلبي، و الغضب الإيجابي. وهناك أنواع أخرى من الغضب ولكن ليست في سياق مقالنا هذا. الغضب السلبي هو الغضب المطلق العنان، بمعنى هو الغضب ألغير مسيطر عليه، وتكون عواقب هذا الغضب وخيمة وعادتاً ما تخلف مشاكل و نزاعات و صراعات أكثر من الحلول. ويؤسفني القول بأن مجتمعاتنا الشرقية تقدس هذا النوع من الغضب، وتتشبع منه في شراين ثقافتها، فنراى الثأر بالقتل منتشر بين جميع أطياف و قوميات مجتمعنا، و جرائم الشرف هي من قدسيات هذا المجتمع الغاضب، حيث يُنظر لمرتكب تلك الجريمة بعين الفخر، و تتغنى ببطولته كل ركن و كل زاوية، و في الحقيقة هو ليس أكثر من قاتل، أو انسان تشبع بالغضب السلبي من لدن المجتمع، ولا يستحق سوا العدالة القصوى. وليس هذا فحسب، بل نحن أن غضبنا عند الفشل بمهمة معينة أو فشلنا في الوصول إلى هدف نود تحقيق، نبدأ بلعن النظام، و نختلق الأعذار الوهمية و نرمي بالتهم على كل من هب ودب، وفي هذا المجال لدى خبرة شخصية أود أن اشاركها معكم أعزائي القارئ، فحين اتممت دراسة المرحلة الابتدائية واحرزت عالياً، قرر والدي ادخالي مدرسة المتميزين، وكان من شروط القبول بالمدرسة هو خوض امتحان عام تطول مدته لاربع ساعات، خاض الامتحان وقتها أكثر من أربع مائة طالب، وكانت المقاعد المتوفرة في المدرسة لقبول الطلاب الجدد هو مئة وعشري فقط. خضت الامتحان انا وصديق الطفولة، اكرم. تربطنا نحن الاثنين صداقة بحكم الجيرة و منافسة بحكم الدراسة حيث كنا نتشارك المقعد( الرحلة) وكنا نتنافس في الحصول على أعلى العلامات، وحين أصدرت وزارة التعليم نتأج امتحان القبول لمدرسة المتميزين حصلت انا على الرقم تسلسل ١٢٣ حين حصل اكرم على رقم تسلسل ٩٨. فكانت صدمة فشلي في الامتحان فاجعة طفولتي الكبرى، و فراق زميل الدراسة ولد لدى موجة من الغضب تلسع اعماقي بنيرانها حتى الآن، شعرت بالفشل، وعدم الرغبة بتكملة دراستي، وشعرت بأني تأه، احوم بعقلي الصغير إلى(ال لا شئ )، و اتذكر اني رسبت في نتائج بداية الفصل للمرحلة المتوسطة.( انتهت الخبرة) وهذا أحبائي مثال من التاريخ القريب على ما يولده الغضب السلبي من نتأئج لا يحمد عقباها. فأنت معذور أن كنت تعيش في مجتمع يقدس العصبية، و يرى في الشراسة شجاعة و في العنفوان رجولة و في التهكم و الرمي بالتهم وسيلة للهرب من فشل يُحيط به من مختلف جوانب الحياة. وانت ايضا معذور إذ كنت تعيش في مجتمع يرى في الهدوء برود مشمئز، و في الرزينة جبن وفي التصرف بعقلانية خوف. ولكن عليك تحليل كل ما ورثت عن اهلك وأقاربك، و التفكير خارج منظومة ما تعلمت في صباك، لتنجح وتكون نقطة تحول في محيطك… وأما عن الغضب الإيجابي، فهو الغضب ألمسيطر عليه، اي السيطرة التامة على مشاعر الغضب و تغيرها لنتيجة مفيدة، أسباب هذا الغضب لا تختلف البتة عن الغضب السلبي، ولكن نتائجه ناجحة، تولد حلول للمشكلة و تمنع حدوث المشكلة مرة ثانية، أو على الأقل يهدف هذا النوع من الغضب على توعية و تثقيف المجتمع لإجاد الحل الأمثل للمشكلة. وتتضمن صفحات التاريخ البشري أناس عرفوا سر الغضب، وحولوا تلك الطاقة العظيمة الناتجة عن مشاعر الغضب إلى فأئدة ينتفع منها المجتمع وفي بعض الأحيان تنفع العالم أجمع، وخير مثال على الغضب الإيجابي هو سيدنا و مخلصنا الرب يسوع المسيح، كان ذو شخصية ثوروية رافضة للعادات و التقاليد، نابذة للسلطة الدنيوية و الدينية، كارها للتفرقة الطبقية و العرقية، غاضباً على كل ما هو خطء و موبخا كل من اقترف جرماً ومانعا كل قرار خاطئ… ولكن، لم يحمل سيفاً، ولم يقد جيشاً ولا قتل أحد، بل كان موبخا بالكلمة واعضاً بالأعمال، محبا للخطاة و عادلاً في اصدار الأحكام، كون له اصدقاء وتلاميذ كثر، وأعداء أكثر، واجهُ أعدائه و منتقدوه بالغضب السلبي و بالعنف ولكن لم يغير موقفه، بل واجههم هو بغضب العقلاء، بكلمة و ليس بسيف، و في النهاية انتصر وكان سقوطهم عظيماً… مثال آخر من صفحات التأريخ الحديث، المهماتا غاندي الذي حرر بلاده من الاحتلال الإنكليزي بغضب إيجابي جعله من أعمدة الهند المقدسة، وكذالك الكنك مارتن لوثر، الذي استخدم الكلمة و سيف الحرية في وجه مجتمع يعمه الظلم و التفرقة العرقية، وانتصر بإجبار الحكومة و المجتمع بالاعتراف بحقوق المريكين من أصول أفريقية. يوجد امثال كثيرة في مجتمعنا المعاصر، و الأسترالي بالتحديد
( Daniel Christie)
وعائلته، هذا الشاب ذو الثمانية عشر ربيعا، قتل بضربة جبانة من الخلف، ولكن موقف العائلة كان أكثر من رائع، فلم يشرعوا بالغضب ولم يطالبوا بقتل الفاعل أو نقموا النظام أو لاموا أحداً. بل بالعكس، أنشأوأ جمعية
( BETTERMAN FOUNDATION)
لتوعية المجتمع على هذه الحادثة الشنيعة و ما أسبابها، وما هي تأثيرها على الضحايا، وهذه الجمعية تقوم بمساعدة ضحايا( الضربة الجبانة) ويقدمون لهم الدعم المادي و المعنوي و القانوني.. سأرفق في نهاية المقال الروابط التي تتحدث عن حادثة
( DANIEL CHRISTIE )
و عن المنظمة الخيرية التي إقامتها عائلة الصبي. هذه هي نتأئج الغضب الإيجابي، غضب خالي من العنف خالي من أي أذية ولكن مليئ بالحلول. ما دفعني لكتابة هذا المقال هو دعوة قرائنا الأعزاء للتخلي من الطاقة السلبية( الغضب السلبي) و التمسك بالطاقة الإيجابية( الغضب الايجابي)، وكذلك اُمن بأن الإنسان أن أراد تغير المحيط الذي يعيش به، عليه أن يبدأ من ذاته، فأنتَ وانتِ وانا جزء لا يتجزء من هذا المجتمع، وان تغيرنا نحن، وسيطرنا على طاقاتنا الداخلية سنصبح أناس منتجين، أناس رافعين المجتمع من أخطائه، وسنكون مجتمع جديد يشكرنا عليه أولادنا و احفادنا من بعدهم، ونهاية اترككم للتأمل بما قاله المهاتما غاندي، ( ليس ضروري ما ستفعله في هذه الحياة، ولكن من الضروري أن تفعله) وقال أيضا( لا يستطيع اذائي أحد، من دون موافقتي).

About St Thomas

x

Check Also

الصدفة والتدبير

الصدفة والتدبير دنخا عبدالاحد عندما شاركت ساندريلا الحفل مع الامير، لربما لم تتوقع ان تفوز ...