معنى الحياة

سيادة المطران أميل نونا
ان التأمل في حياتنا يجعلنا نرجع بالاكيد الى مابدئنا المسيحية لاننا كمؤمنين بيسوع المسيح ليس لنا الا ان نضعه في اساس اية فكرة او تفكير يخص حياتنا. ولعل اهم ما يميّز الحياة المسيحية هي انها تجعلنا نتعمق دائما وباستمرار في سرّ الحياة. ان مسيرة حياة ربنا يسوع في مختلف مراحلها تُنشئنا على الدخول في سرّ الحياة واكتشافها.

ان الحياة الانسانية ليست مخلوقة كي تكون آلة يتم تفكيكها ومعرفة كافة تفاصيلها والسيطرة عليها ببرنامج معين، بل هي (سرّ) يجعلنا في اكتشاف مستمر وبحث دائم واندهاش متواصل مما نكتشفه فيها. الخبرة الانسانية والافعال الصالحة والسلوكيات السليمة تجعل من الشخص مكتشفا للمعنى العميق للحياة الذي هو ان يعيش الانسان لحظات حياته بكل شموليتها بسعادة وفرح الحياة الحقيقية.

ان المعنى الذي ممكن اكتشافه في حياتنا هو انها مسيرة من الاندهاش امام عظمتها عندما تكون مملوءة بالحب والعطاء من اجل عالم افضل واحسن بكل نواحيه. الانسان ليس ماكنة مبرمجة ممكن اعادة صياغتها، بل هو سرّ يتم اكتشافه خطوة بعد خطوة وحدث بعد حدث، ولا يتم الاحاطة به كلّه مرة واحدة او على مدى الحياة كلها. هذا السرّ يضع في الانسان هذه الدينامية التي تجعله في حركة نحو الاندهاش المستمر والتعجب المتواصل بفرح امام حياته.

الدينامية والمعنى في الحياة يأتيان من الرغبة المتواصلة في الدخول الى اعماق الحياة واكتشاف ماهيتها. التعمق في الحياة هو سرّ كوننا مؤمنين مسيحيين لا يتنازلون عن مسيرة الفرح والاندهاش امام قدراتهم الصالحة، وقابلياتهم ومواهبهم المخزونة في حياتهم والتي تتطلب اخراجها وتحقيقها كواقع يومي. اننا مدعوين كمسيحيين الى الدخول بقوة في اكتشاف قدراتنا وقابلياتنا التي توجد أُسسها في قيمنا الايمانية والانسانية، ومبادئنا المسيحية الصالحة لكل الازمان والاوقات، وكذلك نحن مدعوين الى سلوكيات واخلاق سامية ترفع من قيمة الانسان – من خلالنا – في مجتمعنا ومحيطنا. ان ايماننا يحفّزنا الى ان نترفع بمستوى الحياة التي نعيشها الى مستويات راقية ورفيعة، بواسطة الدخول دائما اكثر نحو المعنى العظيم الذي تحمله قيمنا ومبادئنا، وان لا نرضى بسطحيات الامور والاقبال على الامور السهلة، بل نتقوى بحياتنا المسيحية من اجل اكتشاف وتجديد الانسانية المحتاجة الى معنى وقوة في عالمنا المعاصر.

رسالتنا كمسيحيين مشرقيين هي ان نكتشف اين وكيف نعيش القيم المسيحية، وهذا لن ياتي لنا إن لم نصّر على التعمق المتواصل مهما كانت الصعوبات في معنى الحياة، بهدوء وسكون – مثل أمّنا مريم العذراء – ومن غير الالتجاء الى الظهور والشهرة والمطالبة بتحقيق كل ما نرغبه. ان رغبتنا الحقيقة هي تحقيق صورة سليمة للانسان الذي تشوهت صورته بقوة في العنف السائد والتعامل الزائف والسطحية القاتلة. المسيحي يلزم ان يكون مصوّرا؛ يصوّر في حياته اليومية الانسان الحقيقي ويبيّنه في محيطه ومجتمعه المحتاج الى صورة جميلة يعلّقها على جدار بيته فيرتاح كل مرة ينظر لها.

لنلبي الدعوة الى هذه الرسالة العظيمة بقوة وشغف بالحياة ومعناها وسرّها من خلال كوننا اناس يرغبون بالاكتشاف لكل ما هو عميق في الحياة، وتحقيق لكل ما هو مبدأي في الانسان.

About St Thomas

x

Check Also

موعظة سيادة المطران للأحد الرابع من زمن الصيف ١٣/٨/٢٠١٧

موعظة سيادة المطران أميل نوناالأحد الرابع من زمن الصوم ١٣/٨/٢٠١٧كاتدرائية مار توما الرسول Posted by ...